الشيخ حسين المظاهري
66
دراسات في الأخلاق وشؤون الحكمة العملية
وبالجملة يرى نفسه صرف العيب ومحض البطلان ، واعماله الصّالحة سيّئة فهو عبد كلّ على مولاه والمولى يقبله بقبول حسن ويرحمه دوماً ويلطف إليه ويفضل عليه آناً فآناً ، ولولا فضل اللَّه ورحمته ليهلك ويعدم ويفنى . وإن شئت قلت في تعريف التّواضع إنّها ملكة تعرّف الإنسان نفسه كما هي ، فالانسان بهذه الملكة يصل إلى مقامٍ أراده الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بقوله : ربّ أرني الأشياء كما هي . وهذه الفضيلة مقولة بالتّشكيك ، وكلّما زادت في شدّتها زادت في فضيلتها ، وآخر مراتبها هو مقام اللّقاء بمراتبه غير المتناهية ، فلا يرى نفسه فضلًا عن أن يرى فضائله أو أعماله الحسنة . وما اشتهر بين الاخلاقيّين من أنّ التّواضع هو الحدّ الوسط ، والإفراط هو التّكبّر والتّفريط فيه هو الذّلّة والمهانة وكلاهما من الرّذائل ، وحدّ الوسط من الفضائل ، خطأٌ لأنّه مضافاً إلى أنّ التواضع ونحوه من الفضائل مقولة بالتّشكيك ولا يفرض فيه الإفراط ولا التّفريط ولا حدّ الوسط ، بل كلّ مرتبةٍ من مراتبه فضيلة وكلّما اشتدّت مرتبةٌ زاد في فضيلتها كما أشرنا إلى ذلك مراراً ، أنّ التّكبّر والذّلّة والعجب من أضداد التّواضع لا من الافراط أو التفريط فيه وسيأتي البحث عن كلّ واحد منها إن شاء اللَّه تعالى . وهيهنا يحب أنّ ننبّه على نكتةٍ وهي أنّ التواضع يتضمّن ذلّة نفس المتواضع ، فالمتواضع يرى نفسه ذليلًا ، وكلّما زاد تواضعه زاد ذلّتها ، ولكن بين هذه الذلّة والذلة الّتي هي من أضداد التواضع بونٌ بعيدٌ ، كما مّر الكلام فيها وسيأتي البحث عنها مرّةً أخرى . إذ ذلّة النّفس الحاصلة عن التواضع تُعدّ من المحاسن وقد جعلها الوحي المبين من صفات المؤمنين ، قال تعالى : « يا ايَّها الّذين آمنوا من يرتدّ منكم عن دينه فسوف يأتي اللَّه بقوم يحبّهم ويحبّونه أذلّة على المؤمنين أعزّة على الكافرين يجاهدون في سبيل اللَّه ولا يخافون لومة